الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
121
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المشركين كانوا عددا كثيرا فناسب أن يحكي تقليلهم بإراءتهم قليلا ، المؤذنة بأنّهم ليسوا بالقليل . وأمّا المسلمون فكانوا عددا قليلا بالنسبة لعدوّهم ، فكان المناسب لتقليلهم : أن يعبّر عنه بأنّه « تقليل » المؤذن بأنّه زيادة في قلّتهم . وجملة : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ تذييل معطوف على ما قبله عطفا اعتراضيا ، وهو اعتراض في آخر الكلام ، وهذا العطف يسمّى : عطفا اعتراضيّا ، لأنّه عطف صوريّ ليست فيه مشاركة في الحكم ، وتسمّى الواو اعتراضية . والتعريف في قوله : الْأُمُورُ للاستغراق ، أي جميع الأشياء . والرجوع هنا مستعمل في الأول وانتهاء الشيء ، والمراد رجوع أسبابها ، أي إيجادها ، فإنّ الأسباب قد تلوح جارية بتصرّف العباد وتأثير الحوادث ، ولكن الأسباب العالية ، وهي الأسباب التي تتصاعد إليها الأسباب المعتادة ، لا يتصرّف فيها إلّا اللّه وهو مؤثّرها وموجدها . على أنّ جميع الأسباب ، عاليها وقريبها ، متأثر بما أودع اللّه فيها من القوى والنواميس والطبائع ، فرجوع الجميع إليه ، ولكنّه رجوع متفاوت على حسب جريه على النظام المعتاد ، وعدم جريه ، فإيجاد الأشياء قد يلوح حصوله بفعل بعض الحوادث والعباد ، وهو عند التأمّل الحقّ راجع إلى إيجاد اللّه تعالى خالق كلّ صانع . والذوات وأحوالها كلّها من الأمور ، ومآلها كلّه رجوع ، فهذا ليس رجوع ذوات ولكنه رجوع تصرّف ، كالذي في قوله : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [ البقرة : 156 ] . والمعنى : ولا عجب في ما كوّنه اللّه من رؤية الجيشين على خلاف حالهما في نفس الأمر ، فإنّ الإراءة المعتادة ترجع إلى ما وضعه اللّه من الأسباب المعتادة ، والإراءة غير المعتادة راجعة إلى أسباب يضعها اللّه عند إرادته . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب تُرْجَعُ - بضمّ التاء وفتح الجيم - أي يرجعها ، راجع إلى اللّه ، والذي يرجعها هو اللّه فهو يرجعها إليه . وقرأ البقية تُرْجَعُ - بفتح التاء وكسر الجيم - أي : ترجع بنفسها إلى اللّه ، ورجوعها هو برجوع أسبابها . [ 45 ، 46 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 45 إلى 46 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 45 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 46 ) لمّا عرّفهم اللّه بنعمه ودلائل عنايته ، وكشف لهم عن سرّ من أسرار نصره إيّاهم ،